[COLOR="Indigo"][SIZE="6"][FONT="Courier New"]حمى البحث عن الذهب هل تقضي على المعايير البيئية في السودان (2ــ2)
المهندس/ مامون ميرغنى بابكر*: تصاعدت فى السودان خلال العامين المنصرمين حمى التنقيب عن الذهب أو حمى البحث عن الذهب هوما اطلق عليها سابقا التهافت على الذهب. ويوصف او يعرف التهافت على الذهب بأنه إندفاع بشري إلى مكان وجود الذهب؛ حيث يجذب إكتشاف حقول الذهب عددًا كبيرا من المنقبين وأناسًا آخرين بسبب إرتفاع قيمته النقدية. وما يحدث الآن بالسودان ليس بجديد على العالم ولكن وأن كانت هذه الظاهرة قد حدثت في كثير من دول العالم، إلا أنها أخيراً نجحت في إحكام السيطرة عليها وأفلحت في تنظيمها وأدركت ما لها من محاسن وتجاوزت ما بها من مساوئ حتى إرتقت إلى مشارف الحضارة. وقديمًا كان لهجرات البحث عن ذلك المعدن الثمين تأثير كبير على كثير من دول العالم وتقدمها، فكان أول تهافت على الذهب شهده العالم في الولايات المتحدة حين تم اكتشافه في ولاية كاليفورنيا عام 1848م والتي تجمع فيها آنذاك سكان من جميع أنحاء العالم، وفي استراليا، وحين تم العثور على كمية كبيرة من الذهب في بالارات بفكتوريا تتضاعف عدد سكانها ثلاث مرات خلال تسع سنوات فقط؛ أما نيوزيلاندا فقد تضاعف عدد سكانها مرتين خلال ست سنوات حين تم اكتشاف الذهب في عام 1886م..عليه يطرح سؤال نفسه إلى ماذا ستقود تلك الظاهرة في السودان؟ والتى في رأيي سيكون لها عواقب جد وخيمة على البيئة إن لم نراعي المنهجية العلمية في التعامل معها.
الاثر البيئى لتعدين الذهب.. بين العشوائية والنظامية
إذا ما ألقينا نظرة على واقع الحال بالسودان نجد هؤلاء المنقبون بصورة عشوائية يتعرضون لظروف قاسية وللموت أحياناً. ولتلافي ذلك فإن المنجم السليم يعتمد قيامه على استشارة الجيولوجيين ومجموعة اخرى من المهندسين حول التنظيم واختيار المعدات والمرافق، وامداد التيار الكهربي والماء، والتهوية الصحيحة لازالة الغبار والغازات، وتحسين الكفاءة والأمان في المنجم، وانشاء وسائل السلامة وخدمات الطوارئ والاسعافات الأولية. إذن فمن البديهي ألا تترك هذه العملية تتم عشوائياً، لانها عملية تحتاج الى خبراء بالتقنية المنجمية وميكانيكا الصخور وعلوم طبقات الارض وعلوم المعادن والسلامة المهنية والمبادئ البيئية.
وللتعريف بالتعدين المنظم للذهب سأتناول بشئ من الايجاز الطرق المعروفة لاستخراج وتنقيته وأثرها على البيئة وكيفية الحد منها،حاضراً ومستقبلاً. وقبل الدخول في شرح ذلك أشير الى معلومة مبدئية وهي أن طريقة تعدين الذهب تختلف باختلاف طبيعة نوع المواد المترسبة اي التمعدن وكذلك حسب تموضع جسم الخام في الصخور الحاوية له. ومن أول الطرق المستخدمة في انتاج الذهب هي طريقة التعدين المكشوف او المناجم المكشوفة وفيها يتم الحصول على خام الذهب من الكتل الضخمة الكثيفة التي تقع بالقرب من سطح الارض ولذا يجب ان يرفع الغطاء الصخري اولاً وهي طبقة الصخور والمواد الاخرى التي تغطي الراسب ثم تستخدم المتفجرات لتكسير الكتل الضخمة من الصخورالصلبة الحاوية للخام وبعدها يتم استخراجه عبرسلسلة من الطبقات الافقية تسمى المصاطب. وهي الطريقة المعمول بها في مناجم ارياب بشرق السودان. اما الطريقة الثانية فهي التعدين تحت الارض او المناجم التحت ارضية وهذه الطريقة وان لم تستخدم حتى الان بصورة مكتملة لاستخراج الذهب، فلابد من ذكرها لانها قد تستخدم في المستقبل لاستخراج بعض خامات الذهب، وتتمثل هذه الطريقة بعمل بئررأسي عميق والذي يسمى فتحة المنجم، وممرر افقي او مائل والذي يسمى الدهليز ويحفر من هذين الممرين شبكة من الممرات الافقية التي تسمى مناسيب التشغيل يتم عبرها استخراج ونقل الخام.
وعلى الرغم من ان صناعة تعدين الذهب هي احد المرتكزات الهامة المعول عليها لدفع عجلة التنمية بالبلاد بل والمؤثرة في اقتصاد كثير من الدول، الا انها تشكل احد مصادرالنفايات الخطرة على البيئة ولهذا نجد ان هناك العديد من العوامل والتحديات والقوانين المحلية والدولية التي تحكمها وتنظمها. فلأي مشروع او منجم لاستخراج الذهب فإن العامل الاقتصادي للاثر البيئي هو في غاية الاهمية ذلك لان معالجة المشاكل البيئية الناجمة قد تكون باهظة التكاليف اضافة الى الاثار المباشرة والغير مباشرة على صحة الانسان التي قد تستدعي علاج العاملين والمواطنين المتأثرين بالتلوث مثلاً.وعليه فإن تلك الهجمة للحصول على المعدن الاصفر في السودان ستعرض حتماً البيئة إلى تغيرات وضغوط كثيرة، ويشمل ذلك كل الكائنات الحية والتربة والماء والهواء والذي نطلق عليه النظام البيئي أو الأيكولوجي، فالتأثير المباشر على الكائنات الحية حال استخدام طريقة المناجم المكشوفة، والتي تتطلب مساحات شاسعة، يتمثل في إزالة الطبقة السطحية للارض وبالتالي الازالة الكاملة لكل الغطاء النباتي واحيانا يتطلب الامر تغيير نظام مجاري المياه الطبيعية والتأثير على النبات يقود بدوره الى التأثير على كل الكائنات الحية او التنوع الاحيائي مما قد يدفع بتلك الكائنات إلى بيئات اخرى قد لا تكون ملائمة وانقراضها، ويزداد التنافس من اجل البقاء في مناطق اخرى مجاورة. كما أن هناك عوامل اخرى فمثلا استخدام الآليات الضخمة والتفجير في بعض المناجم والمحاجر في السودان ادى الى هروب مجموعة من الحيوانات البرية الى بيئات اخرى. وفي كلتا طريقتي التعدين، مكشوفة وتحت ارضية بالاضافة الى اعمال الطرق يتم ردم نفايات الصخور في اماكن اخرى الامر الذي يزيد من مساحة الارض المستغلة للتعدين وإتلاف بيئة اخري غير التي تتم فيها اعمال الحفر. وإذا كانت المنطقة المصرح بها للتعدين بها بعض القبائل القاطنة فإن الاثر السلبي على الانسان يكمن في التأثير على النشاط الزراعي والرعوي لانسان تلك المناطق واحيانا الإخلال بالنسيج الاجتماعي اضافة الى صدامات قد تنشب مابين السكان الاصليين وشركات التعدين وهذا يشكل احد تحديات صناعة التعدين والذي يطلق عليه العامل الاجتماعي السياسي وهو حق المجتمع المحلي في رفض اي انشطة تنقيبية او صناعية تقع داخل نطاقه العمراني ومحيطه القروي او المدني مما يستوجب ايجاد حلول مجزية للاهالي تشمل ايجاد مناطق بديلة وتوفيرالخدمات والانشطة اللازمة وغيره.
ومن العوامل الاخرى والمهمة التي ستشكل عبئاً على البيئة، التلوث بأنواعه فتلوث الهواء ينتج عموما من اعمال الحفر والتحميل والنقل وأعمال الطرق والكسارات والطواحين وغيرها من العمليات المصاحبة وهذا النوع منا لتلوث قد يكون مباشرا كالتأثير على الانسان والنبات والحيوان او غير مباشر كالتأثير على المناخ. ويحدث تلوث المياه عند التخلص الغير سليم من نفايات الضخور والمياه خصوصا في المناجم تحت الارضية. أما تلوث التربة فيكون دائما بسبب تلوث الهواء والمياه والذان يقومان بتغيير خصائص التربة الى الحمضية او القلوية والذي بدوره يؤثر على النبات والانتاج الزراعي. وتزيد عمليات التعدين من التلوث السمعي أو الضوضائي الذي يؤثر على قوة السمع للانسان خصوصا العاملين داخل المناجم والمواقع القريبة لان معظم المناجم تستخدم الماكينات والمعدات الثقيلة والعملاقة في بعض المواقع وكذلك المولدات وماكينات الهواء المضغوط.
أما وسائل التعدين التقليدي أو العشوائي ورغم انها موجودة كظاهرة قديمة وفي دول متعددة منذ وقت مبكر وحديثاً بالسودان فهي لا يندرج تحت طرق التعدين المعروفة لان استخراج الذهب هنا يتم بطرق كيفما كانت، وبمعدات تقليدية ولا تستند على دراسات علمية وهندسية ولا تتقيد بالقوانين الدولية والمحلية ولا تلتزم بالمعايير البيئية والصحية ولا السلامة المهنية. وهذا النشاط له الكثير من المخاطر والسلبيات تمتد إلى عدة قطاعات سياسية واجتماعية واقتصادية وقانونية وغيرها، ولكن فقط اريد التحدث عن خطورة التعدين العشوائي على صناعة التعدين نفسها؛ فتأثيرها على صناعة التعدين او ما نسميه التعدين القانوني او المنظم يتمثل في عدة نقاط ابرزها تشويه طبيعة المنطقة وافساد معالمها وتضاريسها والذي بدوره تصعب عمليات وضع الخرائط الكنتورية للمنطقة. وكذلك حفر الابار للتعدين وتركها وبمرور الوقت قد تمتلئ بنوع آخر من الضخور كالتربة الرملية او تنهار فيؤثر هذا على عملية وضع الخرائط الجيولوجية الامر الذي سيعقد عمليات الاستكشاف والتحليل المعملي فيما بعد؛ ومن اكبر اخطار هذه الظاهرة على التعدين العلمي هو الاهتمام فقط بالذهب واهدار المعادن المصاحبة او الصخور الاقتصادية الحاوية له، وهذا من الاهمية بمكان وكمثال على ذلك نجد ان 40% من الذهب المنتج بالولايات المتحدة يكون كناتج ثانوي لمعادن اخرى. وكتأثير اخر عدم استقرار عمل شركات التعدين التي تشكو من تعدي المنقبون على مواقع الامتياز الخاصة بها مما يعرقل عمليات الاستكشاف والاستخراج هذا فضلا عن سعر الذهب الذي قد يشهد فارقا كبيرا داخل المنطقة نفسها. وعليه فعندما نقلل من تلك الاخطار على صناعة التعدين نكون قد قللنا من الاثار البيئية بصورة غير مباشرة ذلك لان مناجم التعدين المنظم من قبل الشركات يمكن حصرها ومراقبتها والزامها بالقوانين. والاثار البيئية المباشرة للتعدين العشوائي للذهب نلخصها فى الاتى.. اولها اهدار للموارد البشرية، فالظروف القاسية التى يعيشها المنقبون وتعرضهم للبرد الشديد احيانا ولدرجات الحرارة العالية وقلة مياه الشرب والطعام ،اضافة للقلق والخوف وغيرها تنهك العنصر البشري، اضافة الى الحوادث التي تنجم من انهيار الابار والانفاق والتعرض للكائنات السامة التي تفقد البعض حياتهم. وهذه الظاهرة ايضا هي اهدار لاحد الموارد الغير متجددة ويحدث هذا من التقييم الغير سليم للخامات والكميات المستخرجة. كما ان هناك الكثير من الاضرار المباشرة على البيئة والصحة والتي تتداخل مع بعضها فمثلا ساعدت تلك الظاهرة على هجرة اعداد كبيرة من الناس مما ادى الى تكوين تجمعات تفتقد الى المياه الصحية والخدمات الضرورية وتجمع المخلفات الامر الذي ادى الى ظهوربعض الامراض والاوبئة في تلك التجمعات ومن الممكن ان تصل الى المناطق المجاورة، وقد تسهم تلك الهجرات في صدامات قد تنشأ بين المنقبين او مع اهالي المناطقة الاصليين واحيانا يمتد الصدام الى الجهات الحكومية الرسمية. ويساهم التعدين العشوائي بدرجة كبيرة في الاخلال بالبيئة المحلية من خلال تدمير وتعرية التربة وإتلاف الغطاء النباتي والصرف الطبيعي مما يؤثرسلبا على الحيوانات الاليفة والبرية على حد سواء. كما يسهم التنقيب العشوائي في توقف الانشطة البشرية الاخرى نتيجة هجر المواطنين لتلك الانشطة مثل الزراعة والرعي بل وحتى التعليم.. واخيرا ومن اكبر مساوئ التعدين العشوائى هو عدم اتباع المعايير البيئية والسلامة وانعدام
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع
|